مركز المعرفة

الأهداف المشتركة: واقع التمويل في سياق النزاعات

لويز ردفرز

يونيو 2026

قراءة 7 دقائق

مدوّنة، ميم في الإعلام

تلقى أكثر من 700 امرأة حتفهن يوميًا لأسباب تتعلق بالحمل والولادة يمكن الوقاية منها، وهو ما يعادل حالة وفاة واحدة لا داعي لها كل دقيقتين، وذلك وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى الرغم من أن معدلات وفيات الأمهات أقل رسميًا مقارنةً بإفريقيا جنوب الصحراء وأجزاء من جنوب آسيا، فإن الأرقام الرسمية تخفي تفاوتات حادة وواضحة.

في حين تُسجّل الدول الأكثر ثراءً معدلات منخفضة لوفيات الأمهات، تواجه النساء في البيئات المتأثرة بالصراعات في المنطقة مخاطر أعلى بكثير. استجابةً لهذه الفوارق، تعهّدت مؤسسة ميم في عام 2025 بتقديم 500,000 دولار أمريكي لدعم النساء الحوامل في لبنان وغزة، حيث تعرّضت خدمات الرعاية الصحية الأساسية لاضطراب شديد نتيجة استمرار النزاع والهجمات على المرافق الطبية والعاملين في القطاع الصحي.

خصصت مؤسسة ميم الأموال مبادرةكلحمل ، وهي مبادرة خيرية تهدف إلى تعزيز الوصول إلى التدخلات الصحية المنقذة للحياة للأمهات وحديثي الولادة في المجتمعات المتأثرة بشكل غير متناسب بالنزاعات والنزوح والفقر وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية.

ركّزت المنحة على توفير أدوية ومعدات منقذة للحياة، مثل أجهزة الموجات فوق الصوتية المحمولة، إضافةً إلى تقديم تدريبات تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى العاملين في القطاع الصحي حول كيفية اكتشاف حالات الحمل عالية الخطورة والتعامل مع حالات الطوارئ التوليدية.

في المؤسسة، نؤمن بأن مكان إقامة المرأة لا ينبغي أن يحدد ما إذا كانت ستنجو من الحمل أو الولادة أم لا. لا تزال أعداد كبيرة جدًا من الأمهات في البيئات المتأثرة بالأزمات تُترك خلف الركب. من خلال شراكتنا مع مبادرة 'كل حمل'، فإننا نلتزم بسد هذه الفجوات عبر الاستثمار في حلول عملية وقابلة للتوسع.

منى القرق، مؤسسة مؤسسة ميم

التحالف من أجل التغيير

مبادرةكلحمل هي أول تحالف خيري إسلامي من نوعه يقوده الشركاء على مستوى العالم، كجهة ربط ومضاعِف للأثر. فهي تعمل على توجيه تمويل المانحين من مختلف أنحاء العالم نحو المنظمات القاعدية، كما تتيح مساحة للشركاء للدفاع عن القضايا، وتبادل المعرفة، وتطوير حلول فعّالة على الخطوط الأمامية.

وأوضحت مارلين فيليكوب، مديرة العمليات والاستراتيجية في مبادرةكلحمل: “المنظمات غير الحكومية الصغيرة العاملة في الميدان ليس لديها وقت لقضاء أسابيع في إعداد المقترحات والتكيف مع لغة ومتطلبات المانحين المختلفين. نحن نقوم بدور الجهة الوسيطة ونضمن توجيه الموارد إلى الأماكن الأكثر احتياجًا لها.”

كانت مبادرةكلحمل تعتزم استخدام منحة مؤسسة ميم لدعم تقديم خدمات الولادة الآمنة للأمهات اللاجئات والنازحات في مراكز الرعاية الصحية الأولية، بالتعاون مع منظمة “ميد غلوبالMedGlobal” في لبنان ومنظمة “هيومانيتي إنترناشونالHumaniti International ” في غزة.

كما كان من المقرر تنفيذ برنامج تدريب المدربين المعتمد من منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع جامعة آغا خان في باكستان، بهدف اكتشاف حالات نزيف ما بعد الولادة، وهو أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات.

هذه كانت إحدى أولى المرات التي يتم فيها تطبيق هذا النوع الجديد من الفحوصات التشخيصية، المعروف باسم E-MOTIVE PPH الخاصة بنزيف ما بعد الولادة، في المنطقة.

مواجهة التحدي

إلا أن تصاعد النزاع في جنوب لبنان أدى إلى تعطيل خطة مبادرةكلحمل، ومع ازدياد حالة انعدام الأمن، تعيّن تعليق برنامج “تدريب المدربين” بالتعاون مع وزارة الصحة اللبنانية.

استجابةً للوضع الجديد، وبدعم من مؤسسة ميم، أجرت مبادرةكلحمل وشركاؤها تحولًا سريعًا في الأولويات؛ حيث أُعيد تخصيص الأموال التي كانت مخصصة في الأصل للتدريب لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا على الخطوط الأمامية، مما مكّن مراكز الرعاية الصحية الأولية من مواصلة تقديم الرعاية المنقذة للحياة مع تزايد أعداد الأمهات النازحات اللواتي يحتجن إلى الخدمات.

وشمل ذلك توسيع توفير الأدوية والإمدادات الأساسية لدعم العاملين الصحيين المنهكين في مراكز الرعاية الصحية الأولية في مناطق مثل صيدا، ثالث أكبر مدينة في لبنان، والتي أصبحت موطنًا جديدًا لعشرات الآلاف من العائلات النازحة التي دفعتها الغارات الجوية الإسرائيلية وأوامر الإخلاء إلى النزوح شمالًا.

في غزة، تدعم مبادرةكلحمل مركز المواصي الصحي لتقديم الفحوصات والعلاج للحمل عالي الخطورة. ومع تشديد القيود على الحدود، تكيف البرنامج لتعظيم الاستفادة من الأدوية والمعدات المتوفرة بالفعل داخل غزة، كما قام خبراء دوليون بتقديم تدريبات عبر الإنترنت للعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية الذين تعذّر الوصول إليهم ميدانيًا بسبب النزاع.

بالنسبة للدكتورة تانيا بابان، الممثلة المقيمة لمنظمة “ميد غلوبال MedGlobal” في لبنان، لم يكن خيار تعليق منحة كلحمل بانتظار انتهاء النزاع من أجل تنفيذ التدريب خيارًا مطروحًا. وقالت: “كانت الوزارة مستعدة للانتظار، لكن بالنسبة لي، الحاجة كانت ملحة وإيقاف العمل كان أشبه بالادخار ليومٍ ممطر بينما المطر يهطل بالفعل”.

وأضافت فيليكوب من مبادرةكلحمل : “على الرغم من أن برنامجنا الفعلي قد تغيّر إلى حدٍ كبير بسبب تصاعد النزاع وعدم القدرة على تنفيذ التدريب كما كان مخططًا له، فإن الأهداف التي وضعناها لا تزال قائمة. فلا يزال الهدف يتمثل في ضمان وصول أكثر التدخلات الطبية فاعلية إلى الأمهات، حتى في سياقات النزاع، ولكن بطريقة مختلفة قليلًا”.

في حين أن هذا النوع من إعادة تخصيص الموارد المرنة شائع في القطاع الخاص، إلا أنه نادر في مجال العمل الخيري، حيث يخصص المانحون عادةً – وغالبًا بحسن نية – أموالهم بشكل مُقيّد ومُحكم لأغراض محددة جدًا ترتبط بأولوياتهم.

وأوضحت بابان: “لقد كان العمل مع مؤسسة ميم تجربة مميزة، لأنهم متاحون للتواصل بشكل كبير ويستمعون إلينا بجدية”. “إنهم لا يملون علينا ما يجب فعله، بل يسألوننا عمّا نحتاجه، ويثقون بنا ويدعموننا للقيام بعملنا. “لا نضطر إلى القلق بشأن تلبية توقعات المانحين، بل يتم الوثوق بنا لإنجاز العمل، وهو ضمان حصول كل أم على فرصة لحملٍ وولادة آمنين”.

مشهد من لبنان

في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، يُقدَّر أن نحو 1.6 مليون امرأة حامل يعشن تحت وطأة التهديدات الناجمة عن النزاعات المسلحة. بحسب ما أفاد به صندوق الأمم المتحدة للسكان وقت نشر هذا التقرير، كان هناك في لبنان وحده ما يصل إلى 13,500 امرأة حامل نازحة يحتجن بصورة عاجلة إلى خدمات الرعاية الصحية.

وما يزيد من تفاقم هذه الأزمة استمرار الهجمات على المرافق الطبية، إلى جانب التناقص المستمر في أعداد العاملين الصحيين المؤهلين والمدرَّبين. ووفقًا لمنظمة اليونيسف UNICEF، غادر نحو 40% من الأطباء و30% من القابلات البلاد خلال العامين الممتدين بين عامي 2019 و2021، ونتيجة لذلك ارتفع عدد النساء اللاتي يفقدن حياتهن بسبب مضاعفات الحمل أو الولادة إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف ما كان عليه في السنوات السابقة.

ومن بين الأشخاص الذين تجسّد معاناتهم هذه الإحصاءات القاتمة نهال، وهي معلمة لغة إنجليزية كانت في شهرها السابع من الحمل عندما اضطرت إلى الفرار من منزلها في جنوب لبنان برفقة زوجها وطفليها، البالغين من العمر عامين وخمسة أعوام، في بداية شهر مارس.

ومع عدم توفر الوقت لحزم أكثر من حقيبة صغيرة، عانت الأسرة رحلةً بالسيارة استمرت 14 ساعة قبل أن تجد ملاذًا في مأوى مؤقت بمدينة صيدا. وفي ظل اضطرارها للتأقلم مع هذه الظروف المزدحمة وغير الصحية، والنوم على فراش رقيق داخل غرفة مشتركة، بدأت نهال تخشى على صحة جنينها الذي لم يولد بعد، وتقلق بشأن المكان الذي قد تضطر إلى وضع مولودها فيه.

وفي خضم يأسها وقلقها، دفعت نهال 70 دولارًا أمريكيًا لإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية في عيادة خاصة. ومع فقدانها وزوجها لمصدر دخلهما بسبب النزاع، وعدم وجود أي مؤشرات على موعد عودتهما إلى منزلهما، كان هذا مبلغًا لا يكادان يستطيعان تحمّل تكلفته.

وقد أُنشئت الوحدات الطبية المتنقلة ومراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة لمنظمة ميد غلوبالMedGlobal لدعم نساء مثل نهال، التي أنجبت في أوائل شهر يونيو طفلةً تتمتع بصحة جيدة. وقد تمكنت من الولادة داخل بيئة مستشفى بفضل تدخل منظمة ميد غلوبالMedGlobal ، وهي الآن عادت إلى المأوى المؤقت، في انتظار العودة إلى منزلها في الجنوب.

حاشية

تُعد حزمة ‏E-MOTIVE‏ تدخلاً يجمع بين الكشف المبكر عن نزيف ما بعد الولادة وحزمة علاجية موحّدة ‏(MOTIVE)‏ بهدف تقليل وفيات الأمهات ومضاعفاتهن ‏[1]‏. يستخدم مكوّن الكشف المبكر ‏(E)‏ غطاءً مُعايراً لجمع الدم من أجل القياس الكمي لفقدان الدم، بينما تشمل حزمة ‏MOTIVE‏: تدليك الرحم، والأوكسيتوسين، وحمض الترانيكساميك، والسوائل الوريدية، والفحص الدقيق للكشف عن المضاعفات، وتصعيد الرعاية. ويُحسّن هذا النهج القائم على الأدلة نتائج نزيف ما بعد الولادة بشكل ملحوظ، ويُطبَّق في مرافق الرعاية الصحية، ولا سيما في البلدان ذات الموارد المحدودة. منظمة الصحة العالمية، ‏2023‏.