منى القرق
سبتمبر 2026
قراءة 5 دقائق

على مدى عقود، ظل التركيز في منطقة الخليج على النمو. لقد عملنا على بناء الاقتصادات، وخلق فرص العمل، ووضع الأسس لتحقيق الازدهار على المدى الطويل. وفي هذا السياق، كان تقييم نجاح الاستثمارات يتم بشكل أساسي من خلال العائد المالي.
والآن، مع دخول المنطقة مرحلة جديدة، أرى أن لدينا فرصة لطرْح سؤال أكثر شمولاً: ليس فقط كيف نولّد الثروة، بل كيف نستخدمها لتحقيق أثر مستدام.
إن ما جذبني في البداية إلى الاستثمار المؤثر هو فكرة بسيطة: وهي أن الاستثمار يمكن أن يكون أداة لحل المشكلات. فالاستثمارات الأقوى لا تكتفي بتحقيق العوائد فحسب؛ بل تعمل على تحسين حياة الأفراد. فهي تساهم في معالجة تحديات مثل الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وبناء القدرة على التكيف مع التغير المناخي، وتوفير الفرص الاقتصادية، بالتوازي مع تطوير أعمال تجارية مستدامة.
منى القرق، مؤسسة مؤسسة ميم
ولم تزد الأحداث الأخيرة في منطقتنا قناعتي إلا ترسيخاً بأن المرونة الاجتماعية لا تقل أهمية عن المرونة الاقتصادية. نحن بحاجة إلى دعم المؤسسات التي تساعد المجتمعات على أن تصبح أكثر مرونة وصموداً، ولا سيما في مجالات مثل الصحة والتعليم والتوظيف والاستدامة البيئية.
تواجه مجتمعاتنا عبر الشرق الأوسط تحديات معقدة ومترابطة لا تستطيع أي مؤسسة بمفردها معالجتها. وفي الوقت نفسه، يعمل جيل جديد من رواد الأعمال على تأسيس شركات صُممت خصيصاً لمواجهة هذه التحديات.
يكون هؤلاء المؤسسون في الغالب أكثر دراية بالمشكلات من أي طرف آخر، لأنهم يتعايشون معها يومياً. ومع ذلك، لا يزال الكثير منهم يفتقر إلى رأس المال والإرشاد والشبكات اللازمة لتحويل الأفكار الواعدة إلى حلول قادرة على الوصول إلى الملايين.
لهذا السبب، أرى أن للاستثمار المؤثر دوراً جوهرياً يؤديه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ما زلت أؤمن إيمانًا راسخًا بالأعمال الخيرية، وألتزم بتقديم المنح من خلال مؤسسة ميم. وفي الوقت نفسه، يتيح لنا الاستثمار المؤثر العمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات كشركاء لتحقيق تغيير مستدام.
لا يزال الاستثمار المؤثر في مرحلة المهد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكي يكتب له النجاح، لا يمكن أن يكون مجرد مفهوم يستورد بالكامل من الخارج. بل يجب أن يصاغ بأيدي أشخاص يفهمون أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومجتمعاتها وتعقيداتها.
وهذا أحد الأسباب التي جذبتني إلى شركة “أنارا إمباكت كابيتال”. إن الفريق المؤسس هو فريق متجذر بعمق في واقع المنطقة. إنهم ينتمون إلى لبنان ومصر والأردن، ويشاركون في هذا النظام البيئي، وعندما يشارك المرء بطريقة قاعدية شعبية، فإنه يفهم التحديات حقًّا.
منى القرق، مؤسسة مؤسسة ميم
في يونيو 2026، أعلنت “أنارا إمباكت كابيتال” عن الإغلاق الأول لصندوقها الأول بقيمة 48 مليون دولار أمريكي.
بدعم من مكاتب عائلية إقليمية، وأفراد ذوي ملاءة مالية عالية، ومؤسسات دولية، تستثمر “أنارا” في الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة التي تعالج التحديات في مجالات التعليم، والرفاه، والشمول المالي، والتغير المناخي.
وستوفر تمويلاً في مرحلة البذور (Seed) ومرحلة السلسلة أ (Series A) للشركات التي حققت زخماً سوقياً أولياً مثبتاً، وتوافقاً قوياً بين المؤسس والسوق، وإمكانية للتوسع، والتزاماً بإحداث تغيير إيجابي في المنطقة.
باعتبارها واحدة من أولى شركات رأس المال الجريء المؤثر التي تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، انبثقت “أنارا” عن مؤسسة “الفنار لدعم الاستثمار الخيري»، التي تمتلك أكثر من 20 عاماً من الخبرة في دعم المشروعات ذات الأثر في جميع أنحاء الوطن العربي.
فهم يستوعبون حالات عدم اليقين السياسي، والتضخم، وتقلبات العملة، والأهم من ذلك، التحديات التي تواجه رواد الأعمال لأنهم خاضوها بأنفسهم.
إن هذا الفهم الإقليمي والكفاءة الثقافية يمثلان عنصراً حاسماً. فهما يؤثران في كيفية تقييم الاستثمارات، وإدارة المخاطر، وتقديم الدعم لرواد الأعمال الذين يواجهون ظروفاً قد تكون غريبة على المستثمرين الدوليين.
كما أنني انجذبت إلى تركيز أنارا على القطاعات التي تشتد فيها الحاجة وتكون فيها إمكانية إحداث تأثير كبيرة، بما في ذلك التعليم والمناخ والرفاهية. وهذه مجالات يمكن للاستثمار فيها أن يحقق نتائج اجتماعية ملموسة وقيمة مستدامة على المدى الطويل.
ورغم أن “أنارا” مشروع جديد، إلا أنه انبثق من مؤسسة “الفنار لدعم الاستثمار الخيري”، وهي مؤسسة أمضت أكثر من عقدين في دعم المشروعات الاجتماعية عبر المنطقة.
وعلى مدار تلك الفترة، ساعدت “الفنار” المئات من المشروعات على تحقيق أثر ملموس لمئات الآلاف من المستفيدين. إن هذا الإرث يمنحها المصداقية والخبرة العميقة في تحديد الشركات ذات الأهداف المحددة ودعمها.
يحظى الفريق المؤسس لـ “أنارا” بدعم لجنة استشارية واستثمارية تضم نخبة من أبرز قادة الأعمال والأثر الاجتماعي المرموقين في المنطقة، بمن فيهم فادي غندور، ولبنى العليان، وميساء جلبوط.
بالنسبة لي، فإن هذا المزيج من الدافع الريادي، والخبرة المؤسسية، والفهم العميق للأثر هو أمر جاذب للغاية.
إن بناء منظومة للاستثمار المؤثر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتطلب ليس فقط رأس المال، بل يتطلب أيضاً الإرشاد والشبكات والخبرة. كما أن كفاءة الأشخاص المشاركين تعكس إيماناً مشتركاً بأن هذا القطاع يمكنه أداء دور مهم في صياغة مستقبل المنطقة.
بصفتي شخصًا ملتزمًا التزامًا راسخًا بدعم رائدات الأعمال، فإنني أولي اهتمامًا كبيرًا لمن يجلسون حول طاولة الاستثمار، لأن التمثيل يؤثر على القرارات والفرص والنتائج.
قد لا تطرح “أنارا” نفسها كصندوق رسمي يركز على النوع الاجتماعي، لكن المساواة بين الجنسين راسخة في هيكل مؤسستها بالكامل. تمثل النساء ثلث هياكلها القيادية والحوكمة والاستشارية، وقد أظهر الصندوق التزاماً بدعم المؤسسين الموهوبين، بمن فيهم النساء اللاتي يبنين شركات مبتكرة عبر المنطقة.
بالنسبة لي، هذه المؤشرات ذات أهمية جليلة. فهي تعكس إدراكاً أوسع بأهمية التنوع في تعزيز عملية اتخاذ القرار ومساعدتها على ضمان اكتشاف الفرص في الأماكن التي قد يغفل عنها الآخرون.
لم أكن بالتأكيد خبيرة عندما تعرفت على الاستثمار المؤثر لأول مرة. مثل الكثيرين في المنطقة، اضطررت إلى قضاء بعض الوقت في القراءة والتعلم والتشكيك في بعض افتراضاتي حول كيفية إحداث التغيير وتمويله. وقد علمتني تلك التجربة أن إحدى أكبر العقبات أمام النمو ليست نقص رأس المال، بل نقص الوعي.
يفترض العديد من الأشخاص أن المنح والعمل الخيري التقليدي هما المساران الوحيدان المتاحان لدعم التغيير الاجتماعي. وفِي أحيان كثيرة، يتوقف الحوار قبل أن تتاح للأفراد فرصة استكشاف ما هو ممكن.
لا يلزم أن يحل الاستثمار المؤثر محل العمل الخيري، لكنه يستحق أن يكون له مكان في النقاش.
الشرق الأوسط يزخر برواد الأعمال الذين يعملون على حل بعض أصعب التحديات التي تواجه المجتمع. فهم يؤسسون شركات تساهم في خلق فرص العمل، وتحسين النتائج الصحية، وتعزيز المجتمعات المحلية، والمساعدة في معالجة الضغوطات البيئية.